القوة الناعمة البديل الحضاري

القوة الناعمة البديل الحضاري

Manahel Thabet
Manahel Thabet

ذكرت في أحد مقالاتي السابقة تفاصيل حول أهمية الاستصلاح الفكري كأحد السبل المنتهجة لمواجهة الشحة المعرفية، وكيفية التصدي للتخلف البحثي، واستنهاض قوة الاقتصاد المعرفية، وإنعاشها، وأشرت ضمنياً إلى القوة الناعمة كوسيلة أخرى، تأتي في السياق نفسه، وفي الأهمية ذاتها ضمن سلسلة مقالاتي حول الاقتصاد المعرفي، وأخصص هذه المقالة للحديث عن بديل القوة الناعمة بتفصيل وتوسع.

إن القوة الناعمة لا تختلف كثيراً في حالات الأفراد أو حالات المجتمعات، ويمكننا تقريب معنى مفهومها من خلال حالات فردية، ومما يمكن استحضاره كمثال مقولة جورج واشنطن كارفر التي أوصى أن تكتب على شاهد قبره: «لا يمكن لأي إنسان أياً كان أن ينحدر بي إلى درجة تجعلني أكرهه أو أحقد عليه..».

لمن لا يعرف فصاحب هذه الوصية كان له من الأسباب الكثير لينشأ على رغبة الانتقام من هذا العالم، فعدا أنه من أصل زنجي فقد نشأ يتيماً، لم يحظَ بفرصة الالتحاق بالمدارس، ونشأ في بيئة أقل ما يمكن وصفها به أنها متعصبة، ومع ذلك فقد استطاع أن يبدع ويصبح، بالقوة الناعمة، ما يحلم به أي إنسان، ولتصبح خسائره من ثمّ أرباحاً، فهو مؤسس علم الكيمياء الزراعية، وأول من عمل في حقل الألياف الصناعية، وتدين له الولايات المتحدة الأميركية بواحد من أهم ثرواتها وسادس إنتاج لها «الفول السوداني»، وله من الاختراعات ما يضاهي اختراعات أديسون.

إنه نموذجٌ سامٍ على جدوى القوة الناعمة وما تعنيه على صعيد الأفراد، وعلى صعيد الأمم، فالقوة الناعمة تعني أن يكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن، مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع مصادره.

لقد وجدت اليابان أن أفضل البدائل لتنهض من جديد بعد الحرب هو بديل القوة الناعمة، فجعلت منها أقوى دولة في العالم اقتصادياً في فترة زمنية قياسية قدرها 50 عاماً فقط.

يقول الفيلسوف رالف إميرسون «العالم بأسره يفسح الطريق للشخص الذي يعرف وجهته» ذلك ما يمكن قوله عن التجربة اليابانية في هذا السياق، لأن العالم بالفعل أفسح لها المجال عندما كانت اليابان تعرف وجهتها وتعرف طريقها.

التعدد الديني في اليابان لم يمنعها من التميز عالمياً ولم تختلف فيما بينها بسبب ذلك التعدد، وكذلك أصدرت مجموعة من التشريعات التي تخص التعليم وتلزمه وتحد من الإنجاب خوفاً من الكثافة السكانية التي قد تعيق عملية التنمية والاصلاحات التي تبنتها والخطة المنهجية التي انتهجتها في الصعد كافة.

لقد كان موضوع القوة الناعمة محل جدل كبير وشك في اليابان وفي مطلع عام ٢٠٠٣ حصلت لفتة بارعة، حيث مُنحت رائعة الفنان الياباني الشهير ميازاكي هاياو الفيلم الكرتوني المعروف بـ «المخطوفة» أو «رحلة تشيهيرو» جائزة الأوسكار لأحسن الأفلام المتحركة. ومنذ ذلك الوقت أخذ المسؤولون والمثقفون اليابانيون على حد سواء في الادعاء بأن الشهرة العالمية للأنيمي والمانغا التي تختص بإنتاجها اليابان على صعيد عالمي واسع أصبحت تُمَكِّنُ اليابان من امتلاك «القوة الناعمة»، وكان مصطلح القوة الناعمة قد بدأ استخدامه في الثمانينيات من قبل جوزيف ناي أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد للتعبير عن القدرة على الإقناع أكثر من الإجبار وفي الحقيقة فإن نظرة متأنية على المجلات اليابانية الرئيسية ذات الصلة وعلى الأوراق السياسية البيضاء وما نحوها ستكشف إلى أي درجة أصبحت للفكرة شعبية بعد عام ٢٠٠٢. كما كان في أثناء مناقشة القوة الناعمة، أن تمت ترجمة الشهرة العالمية للأشكال الثقافية إلى ميزة دبلوماسية، وبالتالي فإن التحليلات الحالية للأنيمي والمانغا جذابة ثقافياً ولكنها قد تُظهر أيضاً بعض الإشكالات والالتباسات.

لم يكتف الفنان الياباني ميازاكي هاياو بحصوله على جائزة الأوسكار والذي تتسم أعماله كلها بطابع السلمية ونبذ الحروب بل إنه رفض أن يحضر لاستلام جائزته رداً على حرب العراق لأن التكريم كان في الولايات المتحدة. وبهذا أراد ميازاكي إيصال رسالة بليغة عن جدوى القوة الناعمة وضرورة نشرها واستبدال القوة الصلبة بها وبهذه الرسالة يستطيع أي اقتصاد معرفي أن يزدهر أي عندما تكون رسالته سامية إنسانية صرفة.

الصين استخدمت القوة الناعمة من خلال القوى العاملة الرخيصة فازدهر اقتصادها وأصبحت قوة عالمية ومثلها الهند باليوجا.

وقد استخدم العرب القوى الناعمة قديماً فكانوا يحكمون أوروبا من خلال علوم ابن سينا والفراهيدي والخوارزمي وغيرهم كثير.

النموذج الآخر الذي يمكن الحديث عنه هو إمارة دبي، فهذه المدينة التي يحكمها صانع الحضارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ويعرف جيداً ما هي الأسس الحقيقية لنهوض أي حضارة بشرية، فدعم الاقتصاد المعرفي الذي تأسست عليه، ودعم البنية التحتية، وحقوق الإنسان، والثقافة والفنون، وكذلك تلك المبادئ والأخلاق التي تعتنقها هذه المدينة جعلتها في مصاف أعظم مدن العالم حضارياً واقتصادياً وهذا التطور مازال يكبر وينمو في كل يوم أكثر فأكثر، وهو ما لا يملك العالم تجاهه سوى أن ينحني رافعاً قبعته لرؤية قائد فاقت معنى القوى الناعمة.

إن دعم البحث العلمي والمعارف بكل أنواعها والاهتمام بمؤسسات التأهيل والتدريب ودعم المواهب الشابة والمؤسسات الثقافية والفنون وحقوق الإنسان والبحث عن الموهوبين في كل المجالات هو تعبير عن القوة الناعمة التي تنتهجها أي دولة ويجعلها مثالاً للرقي ونموذجاً حضارياً تحتذيه كل دول العالم. وللحديث بقية..

Related Post:

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp

Videos:

35
تشغيل الفيديو
Manahel Thabet Ph.D. – President participated in the first Economic Leadership Workshop
تشغيل الفيديو
arAR